محمد جمال الدين القاسمي
230
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قالت : فخرجا حتى قدما على النجاشيّ - ونحن عنده بخير دار ، عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بطريق إلّا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشيّ ، وقالا لكل بطريق منهم : إنه قد ضوى - أي لجأ - إلى بلد الملك منا ، غلمان سفهاء ، فارقوا دين قومه ، ولم يدخلوا في دينكم ، وجاءوا بدين مبتدع ، لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم إليهم ، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم . فإنّ قومهم أعلى بهم عينا . ( أي أبصر بهم ) وأعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما : نعم . ثم إنهما قدّما هداياهما إلى النجاشيّ فقبلها منهما ، ثم كلّماه بما كلّما كلّ بطريق . قالت : ولم يكن شيء أبغض إلى عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشيّ . قالت : فقالت بطارقته حوله : صدقا . أيها الملك ! قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم . فأسلمهم إليهما فليردّاهم إلى بلادهم وقومهم . فقالت : فغضب النجاشيّ ثم قال : لاها اللّه ! إذا لا أسلمهم إليهما . ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي ، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم . فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم . وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني . قالت : ثم أرسل إلى أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فدعاهم ، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا . ثم قال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل إذا جئتموه ؟ قالوا : نقول واللّه ! ما علمنا . وما أمرنا به نبينا ، كائنا في ذلك ما هو كائن . فلما جاءوا - وقد دعا النجاشيّ أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ، سألهم فقال لهم : ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟ قالت : فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيها الملك ؟ كنا قوما أهل جاهلية . نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار . ويأكل القويّ منا الضعيف ، فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه . فدعا إلى اللّه لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان . وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام . - قالت : فعدّد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من اللّه . فعبدنا اللّه وحده فلم نشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا ، وأحللنا ما